ما هو الإرهاق الوظيفي وكيف يمكن للمهندس المدني والإنشائي التعامل معه؟


الإرهاق الوظيفي أكثر شيوعاً مما يدركه العديد من المهندسين (مصدر الصورة أنّا ترازفيتش)

مقدمة

غالباً ما يُنظر إلى مهنة الهندسة المدنية والإنشائية على أنها مهنة مرموقة ومستقرة ومجزية. يصمم المهندسون الجسور التي تربط المدن، والمباني التي تشكل الأفق، والبنية التحتية التي تسمح للمجتمعات بالعمل بأمان وكفاءة. ومع ذلك، وراء هذه الإنجازات الرائعة تكمن مهنة تتطلب الكثير، وتتسم بالضغط العالي، وتستنزف المهندس ذهنياً. فالعمل لساعات طويلة، والمواعيد النهائية الضيقة، والمسؤوليات الكبيرة، والحاجة المستمرة إلى الدقة، كل ذلك يعرّض المهندسين المدنيين والإنشائيين لخطر الإرهاق الوظيفي.

الإرهاق الوظيفي (Burnout) أكثر شيوعاً مما يدركه العديد من المهندسين أو مما يميلون إلى الاعتراف به. ففي مهنة يُحتفى فيها بالمرونة وحل المشكلات والقدرة على التحمل، قد يبدو الاعتراف بالإجهاد أو التعب العاطفي بمثابة ضعف. في الواقع، الإرهاق الوظيفي ليس فشلاً شخصياً؛ بل هو استجابة للإجهاد المزمن وغير المُدار في مكان العمل.

يمكن التعامل مع الإرهاق الوظيفي على مستويين: المستوى الشخصي والمستوى المؤسسي. وفي حين تلعب المؤسسات والمديرون والقادة دوراً حاسماً في منع الإرهاق، فإن المهندسين أنفسهم لديهم أيضاً أدوات واستراتيجيات لحماية صحتهم العقلية والجسدية.

يركّز هذا المقال على التعامل مع الإرهاق الوظيفي على المستوى الشخصي للمهندسين المدنيين والإنشائيين كما يتناول مقال آخر كيفية معالجة الإرهاق على المستوى المؤسسي من خلال القيادة والسياسات وثقافة مكان العمل.

الهندسة المدنية والإنشائية مجال مليء بالتحديات

الهندسة المدنية والإنشائية مهنتان تنطويان بطبيعتهما على التحدي. المهندسون مسؤولون عن السلامة العامة، والامتثال للقوانين والمعايير، وكفاءة التكلفة، وإمكانية التنفيذ. قد يكون لخطأ صغير في الحسابات أو الافتراضات التصميمية عواقب وخيمة مالياً أو قانونياً أو حتى عواقب تهدد حياة الأفراد.

بعض التحديات الرئيسية التي يواجهها المهندسون المدنيون والإنشائيون تشمل:

  • المسؤولية القانونية: غالباً ما يكون المهندسون مسؤولين قانونياً عن تصاميمهم.
  • المواعيد النهائية الضيقة: يتم تسيير المشاريع من خلال الجداول الزمنية والمراحل المتفق عليها وتوقعات العميل.
  • ساعات العمل الطويلة: العمل الإضافي شائع، خاصة خلال ذروة مراحل المشروع.
  • حل المشكلات المعقدة: لكل مشروع تحديات تقنية فريدة.
  • التنسيق مع العديد من أصحاب المصلحة: المهندسون المعماريون والمقاولون والعملاء والسلطات والمهندسون الآخرون.
  • التغيرات التكنولوجية السريعة: تتطلب البرامج والقوانين والمنهجيات الجديدة تعليماً مستمراً.

بمرور الوقت، يمكن أن تتراكم هذه الضغوط، خاصة عندما تقترن بوقت غير كافٍ للتعافي، أو نقص الدعم، أو ضعف التوازن بين العمل والحياة. وهنا غالباً حيث ما يبدأ الإرهاق الوظيفي في الترسخ.

الإرهاق الوظيفي أكثر شيوعاً مما قد نعتقد

يفترض العديد من المهندسين أن الشعور بالإرهاق، أو عدم الاكتراث، أو السلبية تجاه العمل هو ببساطة "جزء من الحياة المهنية". هذا التطبيع للإجهاد المزمن يجعل الإرهاق الوظيفي أكثر شيوعاً وأكثر خطورة لأنه غالباً ما يمر دون أن يُلاحظ حتى يصبح شديداً.

تُظهر الاستطلاعات التي أُجريت في قطاعات الهندسة والبناء باستمرار مستويات عالية من الإجهاد والتعب العقلي وعدم الرضا. ومع ذلك، وبسبب الوصم الاجتماعي، أو الخوف من الظهور بمظهر الضعيف، أو القلق بشأن العواقب المهنية، يعاني العديد من المهندسين في صمت.

الإرهاق الوظيفي لا يحدث بين ليلة وضحاها. الإرهاق الوظيفي يتطور تدريجياً، وغالباً ما يبدأ بالحماس والتفاني، و من ثمّ الإفراط في الالتزام، والإجهاد المزمن، والإرهاق العاطفي، وفي النهاية عدم الاكتراث وانخفاض الأداء.

إمكانية التعامل مع الإرهاق الوظيفي على المستوى الشخصي وعلى المستوى المؤسسي

الإرهاق الوظيفي هو مشكلة مؤسساتية، ولكنه ليس خارجاً تماماً عن سيطرة الفرد. تتطلب معالجة الإرهاق اتخاذ إجراءات على مستويين:

  • المستوى المؤسسي: نمط القيادة، توزيع العمل، ثقافة الشركة، سياسات المؤسسة، والموارد.
  • المستوى الشخصي: الحدود الفردية، العادات، العقلية السائدة في مكان العمل، الصحة، واستراتيجيات التكيف.

يركّز هذا المقال على ما يمكن للمهندسين المدنيين والإنشائيين القيام به على الصعيد الشخصي لتشخيص الإرهاق الوظيفي وإدارته والتعافي منه. فهم الإرهاق الوظيفي هو الخطوة الأولى نحو التعامل معه بفعالية.

ما هو الإرهاق الوظيفي؟

في مايو 2019، تم تصنيف الإرهاق الوظيفي رسمياً كظاهرة مهنية من قبل منظمة الصحة العالمية عندما تم إدراجه في التنقيح الحادي عشر للتصنيف الدولي للأمراض (ICD-11).

تُعرّف منظمة الصحة العالمية الإرهاق الوظيفي على النحو التالي:

"متلازمة ناتجة عن الإجهاد المزمن في مكان العمل لم يتم التعامل معها بنجاح."

من المهم ملاحظة أن الإرهاق لا يصنف كحالة طبية، بل كمتلازمة مرتبطة بالعمل. يؤكد هذا الأمر أن الإرهاق مرتبط على وجه التحديد ببيئة العمل وكيفية التعامل مع الإجهاد فيها.

يتطور الإرهاق الوظيفي عندما تقترن المتطلبات العالية بنقص الموارد أو التعافي أو الدعم على مدى فترة طويلة. الأمر لا يتعلق ببساطة بالعمل الجاد؛ بل يتعلق بالعمل تحت ضغط مزمن دون راحة كافية.

الفرق بين الإرهاق الوظيفي والإجهاد والاكتئاب

غالباً ما يتم الخلط بين الإرهاق الوظيفي والإجهاد والاكتئاب، لكنها ليست نفس الأمر. فهم الفرق أمر ضروري لتشخيص الإرهاق بدقة والبحث عن الحلول المناسبة.

الإرهاق الوظيفي و الإجهاد (Stress)

  • الإجهاد يتميز بالإفراط في الانخراط، والاستعجال، والنشاط المفرط. قد يشعر الأشخاص الذين يعانون من الإجهاد بالإرهاق ولكنهم ما زالوا منخرطين عاطفياً.
  • الإرهاق الوظيفي يتميز بعدم الاكتراث، والإرهاق العاطفي، والسلبية. بدلاً من الشعور بالإرهاق، غالباً ما يشعر الأفراد المنهكون بالفراغ، والانفصال، وفقدان الحافز.
يمكن أن يكون الإجهاد قصير الأجل وموقفياً. الإرهاق الوظيفي طويل الأمد وينتج عن إجهاد غير مُدار.

الإرهاق الوظيفي و الاكتئاب (Depression)

  • يؤثر الاكتئاب على جميع مجالات الحياة، وليس العمل فقط. ويشمل الحزن المستمر، وفقدان الاهتمام، ومشاعر اليأس.
  • الإرهاق الوظيفي مرتبط بالعمل في المقام الأول. غالباً ما تتحسن الأعراض عندما يكون الفرد بعيداً عن العمل أو بعد إجراء تغييرات في مكان العمل.

ومع ذلك، يمكن أن يزيد الإرهاق المزمن من خطر الإصابة بالاكتئاب إذا تُرك دون معالجة. ولهذا السبب يعد التعرف المبكر أمراً بالغ الأهمية.

أهمية التقليل أو القضاء على الإرهاق الوظيفي

يمكن أن يؤدي الإرهاق الوظيفي المزمن إلى مشاكل صحية خطيرة

يرتبط الإرهاق طويل الأمد بالعديد من المشاكل الصحية الجسدية والعقلية منها:

  • أمراض القلب والأوعية الدموية
  • ارتفاع ضغط الدم
  • اضطرابات النوم
  • القلق والاكتئاب
  • ضعف جهاز المناعة
  • مشاكل الجهاز الهضمي

تجاهل الإرهاق الوظيفي لا يعالجه بل يؤدي إلى إزدياد سوء الحالة و خطرها.

الإرهاق الوظيفي يحد من إمكاناتك

لا يؤثر الإرهاق الوظيفي على الصحة فحسب؛ بل يحد أيضاً من النمو المهني. المهندسون الذين يعانون من الإرهاق غالباً ما:

  • يرتكبون المزيد من الأخطاء
  • يتجنبون المهام الصعبة
  • يفقدون الإبداع والابتكار
  • يفوتون فرص التقدم على أنفسهم
  • يشعرون بأنهم عالقون أو محاصرون في حياتهم المهنية

من خلال معالجة الإرهاق، يمكن للمهندسين استعادة عافيتهم وإمكاناتهم المهنية.

أعراض الإرهاق الوظيفي

من الضروري تعلم كيفية التعرف على الإرهاق الوظيفي مبكراً. التشخيص هو الخطوة الأولى والأكثر أهمية في التعامل الإرهاق الوظيفي.

وفقاً لمنظمة الصحة العالمية (WHO)، يتميز الإرهاق الوظيفي بما يلي:

  • الشعور باستنزاف الطاقة أو استنفادها
  • زيادة مشاعر السلبية أو التخوف المتعلقة بالوظيفة
  • تراجع الكفاءة المهنية

قد يختبر المهندسون المدنيون والإنشائيون أعراض الإرهاق في ثلاث فئات رئيسية: جسدية، وعاطفية، وسلوكية.

الأعراض الجسدية

  • الشعور المستمر بالتعب والإرهاق في العمل
  • تغيرات في عادات النوم والأرق المتكرر
  • انخفاض الشهية
  • التعب الجسدي و الآلام غير المبررة كتوتر العضلات ، والصداع، وآلام الظهر، وآلام المعدة، والدوخة، والغثيان، وارتفاع ضغط الدم
  • كثرة الأمراض بسبب ضعف المناعة
  • مشاكل في التنفس أو ضيق في الصدر

الأعراض العاطفية

  • نقص في الحافز والاستمتاع
  • القلق والأرق
  • الإرهاق العاطفي والانفصال
  • السلبية والسخرية تجاه الوظيفة وزملاء العمل
  • انخفاض الرضا والشعور بالإنجاز
  • الشك بالنفس والشعور بالإرهاق
  • مشاعر الذنب عند الراحة أو أخذ إجازة

الأعراض السلوكية

  • انخفاض الأداء بسبب عدم الاكتراث، والمماطلة، والنسيان، وصعوبة التركيز
  • العزلة عن زملاء العمل
  • زيادة الصراعات مع الزملاء
  • التكيف من خلال زيادة استهلاك الكحول أو المخدرات أو الكافيين أو السكر أو الطعام

قياس الإرهاق: قائمة ماسلاك للإرهاق الوظيفي (MBI)

كمهندسين، نحب قياس الأمور. إحدى الأدوات الأكثر استخداماً لقياس الإرهاق الوظيفي هي قائمة ماسلاك للإرهاق الوظيفي (MBI)، التي طوّر من قبل ماسلاك وجاكسون في عام 1981.

يقيس المقياس ثلاثة أبعاد:

  • الإرهاق العاطفي
  • السخرية أو التجريد من الصفة الشخصية
  • انخفاض الإنجاز المهني

يساعدك فهم موقعك ضمن هذه الأبعاد على تحديد ما إذا كنت تعاني من الإرهاق الوظيفي وإلى أي مدى.

كيف يمكن للمهندس المدني أو الإنشائي التعامل مع الإرهاق الوظيفي؟

استباق الإرهاق الوظيفي

قبل الوصول إلى مرحلة الإرهاق الوظيفي، يجب على المهندسين أن يتذكروا أن الشركات والمديرين والعملاء ليسوا كلهم كبعضهم. تختلف بيئات العمل اختلافاً كبيراً، واختيار البيئة المناسبة يمكن أن يحدث فرقاً كبيراً.

قبل الانضمام إلى فريق:

  • ابحث عن ثقافة الشركة
  • ابحث عن آراء وشهادات الموظفين
  • اطرح أسئلة أثناء المقابلات حول عبء العمل، والعمل الإضافي، والتوازن بين العمل والحياة

اجعل الأمن الوظيفي والمالي أولوية

يمكن أن يفاقم الضغط المالي الإرهاق الوظيفي. فوجود دخل مستقر وأمان وظيفي يمكّن المهندسين من اتخاذ قرارات صحية، مثل أخذ إجازة أو وضع حدود دون خوف.

اعرف متى يحين وقت المغادرة

إذا كنت في مكان عمل يسبب الإرهاق الوظيفي باستمرار، ولم يقم القادة المؤسسيون بشيء بعد مشاركتهم ملاحظاتك، فقد يكون الوقت قد حان للبحث عن وظيفة أخرى. يمكن أن يكون للبقاء في بيئة سيئة عواقب طويلة الأمد على صحتك ومسيرتك المهنية.

كيف تتغلب على الإرهاق الوظيفي

يتطلب التعافي من الإرهاق الوظيفي وقتاً وجهداً. فيما يلي استراتيجيات عملية للمهندسين المدنيين والإنشائيين.

إعطاء الأولوية للتوازن بين العمل والحياة

التوازن بين العمل والحياة ليس ترفاً، بل هو ضرورة. احفظ وقتك خارج العمل للراحة والعائلة والاهتمامات الشخصية.

تثبيت الحدود

قلل إمكانية الوصول إليك خارج ساعات العمل. تجنب الرد على رسائل البريد الإلكتروني أو المكالمات في وقت متأخر من الليل ما لم يكن ذلك ضرورياً للغاية.

تعلّم أن تقول لا

لا يمكنك تولي كل مهمة تُلقى عليك. قول "لا" هو مهارة مهنية، وليس ضعفاً.

التواصل مع الآخرين

تحدث إلى مديرك واشرح موقفك. تعاون مع زملاء العمل لإيجاد طرق أفضل لإدارة عبء العمل والتوتر.

الموازنة بين الأنشطة

تجنب القيام بنفس نوع المهام بشكل دائم. قم بالتبديل بين التصميم والتنسيق والتحليل عندما يكون ذلك ممكناً.

أخذ فترات راحة أثناء العمل

تؤدي فترات الراحة القصيرة إلى تحسين التركيز وتقليل التعب العقلي. ابتعد عن مكتبك بانتظام.

تحديد محفزات الإرهاق

افهم ما الذي يثير إرهاقك على وجه التحديد (المواعيد النهائية الضيقة، مهام معينة...) وحاول تقليل التعرض له.

تعلم إدارة الوقت والتوتر

استخدم تقنيات تحديد الأولويات، والجدولة الواقعية، وممارسات الحد من التوتر.

التركيز على المهم

حدد المهام المهمة وركز طاقتك عليها بدلاً من تشتيت نفسك.

أتمتة ما يمكنك أتمتته

استخدم أدوات وبرامج ونماذج لتقليل العمل المتكرر.

التفويض عند الإمكان

يجب أن يكون عبء العمل عادلاً بين الموظفين. التفويض يحسن الكفاءة ويقلل الحمل الزائد.

أخذ إجازة

الإجازات المنتظمة وأيام الإجازة ضرورية للتعافي.

ابحث عن هواية خارج العمل

انخرط في أنشطة تجلب الفرح والاسترخاء، ولا تتعلق بالهندسة على الإطلاق.

اهتم بصحتك

اشرب الماء، ومارس الرياضة بانتظام، وحافظ على نظام غذائي متوازن.

احصل على قسط كافٍ من النوم

النوم ضروري للوظيفة الإدراكية والصحة العامة.

حافظ على الإيجابية

نمِّ الامتنان والتفاؤل والمنظور المتوازن. العقلية الإيجابية لا تقضي على الإجهاد، لكنها تساعدك على التكيف بشكل أكثر فعالية.

الخلاصة

لا عيب في الشعور بالإرهاق من وقت لآخر، خاصة في مهنة تتطلب الكثير مثل الهندسة المدنية والإنشائية. المهم هو ضمان ألا يصبح الإرهاق مزمناً أو مؤثراً على مسيرتك المهنية وحياتك.

الاعتناء بنفسك أمر أساسي ويجب أن يكون دائماً على رأس أولوياتك. من خلال التعرف على الإرهاق مبكراً، ووضع الحدود، وإجراء تغييرات مقصودة، يمكنك حماية صحتك، واستعادة حافزك، ومواصلة النمو شخصياً ومهنياً.

الإرهاق ليس علامة على أنك ضعيف! إنه إشارة إلى أن شيئاً ما يحتاج إلى التغيير ولديك القدرة على بدء هذا التغيير اليوم.